محمد بن جرير الطبري
189
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً يعني : عدد الأيام والشهور والسنين . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً قال : يجريان إلى أجل جعل لهما . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً يقول : بحساب . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، في قوله : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً قال : الشمس والقمر في حساب ، فإذا خلت أيامهما فذاك آخر الدهر وأول الفزع الأكبر ؛ ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً قال : يدوران في حساب . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً قال : هو مثل قوله : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ومثل قوله : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ . وقال آخرون : معنى ذلك : وجعل الشمس والقمر ضياء . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً أي ضياء . وأولى القولين في تأويل ذلك عندي بالصواب تأويل من تأوله : وجعل الشمس والقمر يجريان بحساب وعدد لبلوغ أمرهما ونهاية آجالهما ، ويدوران لمصالح الخلق التي جعلا لها . وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية ، لأن الله تعالى ذكره ذكر قبله أياديه عند خلقه وعظم سلطانه ، بفلقه الإصباح لهم وإخراج النبات والغراس من الحب والنوى ، وعقب ذلك بذكره خلق النجوم لهدايتهم في البر والبحر ، فكان وصفه إجراء الشمس والقمر لمنافعهم أشبه بهذا الموضع من ذكر إضاءتهما لأنه قد وصف ذلك قبل قوله : فالِقُ الْإِصْباحِ فلا معنى لتكريره مرة أخرى في آية واحدة لغير معنى . والحسبان في كلام العرب : جمع حساب ، كما الشهبان جمع شهاب ؛ وقد قيل : إن الحسبان في هذا الموضع مصدر من قول القائل : حسبت الحساب أحسبه حسابا وحسبانا . وحكي عن العرب على الله حسبان فلان وحسبته : أي حسابه . وأحسب أن قتادة في تأويل ذلك بمعنى الضياء ، ذهب إلى شيء يروى عن ابن عباس في قوله : وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ قال : نارا ، فوجه تأويل قوله : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً إلى ذلك التأويل . وليس هذا من ذلك المعنى في شيء . وأما " الحسبان " بكسر الحاء : فإنه جمع الحسبانة : وهي الوسادة الصغيرة ، وليست من الأوليين أيضا في شيء ، يقال : حسبته : أجلسته عليها ، ونصب قوله : " حسبانا " بقوله : " وجعل " وكان بعض البصريين يقول : معناه : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً أي بحساب ، فحذف الباء كما حذفها من قوله : هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ أي أعلم بمن يضل عن سبيله . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ يقول تعالى ذكره : وهذا الفعل الذي وصفه أنه فعله ، وهو فلقه الإصباح وجعله الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ، تقدير الذي عز سلطانه ، فلا يقدر أحد أراده بسوء وعقاب أو انتقام من الامتناع منه ، العليم بمصالح خلقه وتدبيرهم ؛ لا تقدير الأصنام والأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تفقه شيئا ولا تعقله ولا تضر ولا تنفع ، وإن أريدت بسوء لم تقدر